المصعد الذي فتح بابه على مكان لم يره أحد من قبل كان موجودًا في مبنى إداري عادي وسط المدينة. لم يكن قديمًا جدًا، ولم يكن معطلًا باستمرار، ولم يعرف عنه الموظفون أي قصص غريبة. مجرد مصعد رمادي يربط بين اثني عشر طابقًا، يستخدمه الناس عشرات المرات كل يوم دون أن يفكروا فيه. لكن في مساء هادئ، بعد أن غادر معظم الموظفين، دخل إليه ماجد في طريقه إلى الطابق الأرضي، فضغط الزر كالمعتاد. أغلقت الأبواب، تحرك المصعد لثوانٍ، ثم توقف في طابق لم يكن موجودًا أصلًا.
نظر ماجد إلى الشاشة الصغيرة فوق الباب. لم يظهر رقم، بل خط أفقي واحد. ظن أن المصعد تعطل، فمد يده نحو زر الطوارئ، لكن الأبواب انفتحت قبل أن يضغط عليه.
ما ظهر أمامه لم يكن ممرًا من ممرات المبنى.
مكان لا يشبه أي طابق
كانت أمامه قاعة واسعة مضاءة بضوء أبيض ناعم. الأرضية حجرية، والجدران عالية جدًا، وفي منتصف القاعة تمتد عشرات الأبواب المتشابهة.
لم توجد مكاتب، ولا موظفون، ولا لوحات إرشادية.
ظل ماجد داخل المصعد عدة ثوانٍ. توقع أن تغلق الأبواب من تلقاء نفسها، لكنها بقيت مفتوحة.
ضغط زر الطابق الأرضي.
لم يحدث شيء.
ضغط بقية الأزرار واحدًا تلو الآخر. كلها انطفأت.
لم يكن أمامه سوى الخروج.
أول خطوة خارج المصعد
وضع ماجد قدمه على أرض القاعة، ثم التفت سريعًا إلى المصعد. ظل موجودًا خلفه، وهذا منحه بعض الطمأنينة.
اقترب من أول باب. لم يحمل رقمًا أو اسمًا، لكن على مقبضه قطعة معدنية صغيرة تشبه بطاقة قديمة.
قرأ ما عليها.
كان مكتوبًا تاريخ يعود إلى سبع سنوات.
فتح الباب بحذر.
فوجد نفسه ينظر إلى مكتب يعرفه جيدًا.
كان مكتبه القديم في أول شركة عمل بها.
مشهد من الماضي
داخل الغرفة، رأى نفسه أصغر سنًا يجلس أمام جهاز حاسوب ويتحدث مع مديره السابق.
لم يسمعه أحد، ولم يلتفت إليه أي شخص.
تذكر هذا اليوم.
كان اليوم الذي رفض فيه عرضًا للعمل في مدينة أخرى لأنه خاف من ترك حياته المعتادة. وقتها أقنع نفسه أن القرار كان منطقيًا، لكنه ظل يتساءل سنوات عما كان سيحدث لو وافق.
اقترب أكثر، لكن المشهد بدأ يتلاشى.
أغلق الباب بسرعة.
نظر إلى بقية الأبواب.
فهم أن كل واحد منها ربما يقود إلى لحظة ما من حياته.
هل هذا المكان يعرض الماضي فقط؟
فتح بابًا ثانيًا.
هذه المرة رأى غرفة لم يعرفها. كانت شقة واسعة تطل على البحر، وداخلها رجل يشبهه كثيرًا لكنه أكبر سنًا.
كان يجلس أمام طاولة ممتلئة بالأوراق ويتحدث عبر الهاتف.
لم يتذكر ماجد هذا المكان لأنه لم يحدث بعد.
تراجع مذعورًا.
ربما كانت الأبواب لا تعرض الماضي فقط، بل احتمالات من المستقبل أيضًا.
الرجل الذي كان ينتظره
بينما كان ماجد يحاول فهم ما يحدث، سمع خطوات تأتي من نهاية القاعة.
ظهر رجل يرتدي معطفًا داكنًا ويحمل مجموعة مفاتيح.
قال له بهدوء: "المصعد فتح لك."
سأله ماجد: "إحنا فين؟"
أجابه الرجل: "مكان بين القرارات."
لم يفهم شيئًا.
أشار الرجل إلى الأبواب وقال إن كل باب يمثل طريقًا اختاره ماجد أو كان يمكن أن يختاره، وإن بعض الأبواب تخص أشياء لم تحدث بعد.
لماذا أنا هنا؟
قال الرجل إن المصعد لا يفتح هذا الطابق لكل شخص.
يظهر فقط لمن يقضي حياته وهو يعيد حساب القرارات القديمة أكثر مما يعيش الحاضر.
شعر ماجد أن الكلام موجه إليه بدقة.
كان معروفًا بتردده. يراجع كل قرار مرات كثيرة، وإذا اختار طريقًا، يظل بعدها يتخيل الطريق الآخر.
وظيفة لم يقبلها، سفر ألغاه، مشروع لم يبدأه، وحتى علاقة صداقة ابتعد عنها لأنه تأخر طويلًا في التواصل.
كل هذه الأشياء كانت تعود إلى ذهنه باستمرار.
باب النجاح الكبير
لاحظ ماجد بابًا في نهاية القاعة يختلف عن البقية. كان لونه أسود، وعليه اسمه فقط.
اقترب منه.
قال الرجل: "ممكن تفتحه، بس لازم تعرف إن اللي هتشوفه مش وعد."
فتح ماجد الباب.
وجد نفسه بعد سنوات في مكتب كبير، يبدو ناجحًا للغاية. كانت هناك شاشة تعرض أرقامًا مرتفعة، وموظفون يدخلون ويخرجون، وهاتفه لا يتوقف عن الرنين.
في البداية ابتسم.
هذا هو المستقبل الذي كان يتمناه.
ثم لاحظ أن الرجل الذي يشبهه يجلس وحده بعد خروج الجميع.
فتح هاتفه، مرر قائمة الأسماء، ثم أغلقه دون أن يتصل بأحد.
لم يكن النجاح في ذلك المشهد سعيدًا كما بدا من الخارج.
باب الحياة الهادئة
فتح بابًا آخر.
رأى نفسه يعيش في منزل صغير في مدينة بعيدة، يعمل ساعات أقل، ويقضي وقتًا أطول مع أصدقائه وأقاربه.
بدا أكثر هدوءًا.
لكن بعد دقائق ظهر جانب آخر من المشهد. كان يشعر أحيانًا بالندم لأنه لم يستغل قدراته المهنية كما كان يستطيع.
أغلق ماجد الباب.
بدأ يفهم الدرس.
لا يوجد مستقبل خالٍ تمامًا من الثمن.
الباب الذي لم يرد فتحه
بقي باب واحد يحمل تاريخ اليوم نفسه.
رفض ماجد فتحه.
شعر أن معرفة ما سيحدث اليوم قد تغير كل شيء.
لكن الرجل قال له: "أنت مش جاي هنا علشان تعرف المستقبل. إنت جاي علشان تعرف إيه اللي بيوقفك."
فتح ماجد الباب.
وجد نفسه في مكتبه الحالي، جالسًا أمام رسالة إلكترونية مفتوحة.
كانت رسالة عرض شراكة في مشروع جديد تلقاها قبل ساعات، لكنه لم يرد عليها.
في الحقيقة، كان قد قرر تجاهلها لأنه خائف من المخاطرة.
الشيء الذي لم يعترف به
أغلق الباب ونظر إلى الرجل.
قال: "يعني المفروض أوافق؟"
رد الرجل: "أنا ما قلتش كده."
سأله ماجد بعصبية: "طب أنا هنا ليه؟"
قال: "علشان تبطل تدور على ضمان."
كانت هذه هي المشكلة فعلًا.
ماجد لم يكن يريد قرارًا جيدًا فقط، بل قرارًا يضمن له عدم الندم.
لكن كل الأبواب أثبتت له أن كل طريق يحمل مكاسب وخسائر.
المصعد يختفي
التفت ماجد نحو المصعد.
لم يكن موجودًا.
بدأ يشعر بالذعر.
سأل الرجل كيف سيعود.
أشار إلى باب صغير لم يلاحظه من قبل.
قال له: "ده باب الرجوع، بس مش هيفتح غير لما تختار حاجة واحدة."
قال ماجد: "أختار إيه؟"
رد: "مش طريق. اختار إنك تتحمل نتيجة قرارك."
أصعب اختيار
جلس ماجد على أحد المقاعد في القاعة.
فكر في كل الأبواب التي فتحها. لا واحد منها قدم له مستقبلًا مثاليًا.
فهم أخيرًا أن مشكلته لم تكن قلة الفرص، بل خوفه من أن يختار ثم يلوم نفسه.
قال بصوت واضح: "أنا مستعد أختار حتى لو طلعت النتيجة مش كاملة."
سمع صوتًا معدنيًا خلفه.
انفتح الباب الصغير.
خلفه كان المصعد.
العودة إلى المبنى
دخل ماجد بسرعة.
عادت الأزرار للعمل، وظهر رقم الطابق الأرضي على الشاشة.
أغلقت الأبواب وتحرك المصعد.
بعد ثوانٍ، انفتح على مدخل المبنى الطبيعي.
نظر إلى الساعة.
لم تمر سوى دقيقتين منذ دخوله المصعد.
سأل الحارس إن كان المصعد توقف في طابق غريب.
ضحك الحارس وقال إن المبنى لا يحتوي أصلًا إلا على الطوابق المعروفة.
هل كان ما حدث حقيقيًا؟
خرج ماجد من المبنى وهو غير متأكد مما عاشه.
ربما كان حلمًا بسبب الإرهاق، أو خللًا في المصعد، أو شيئًا لا يستطيع تفسيره.
لكن عندما مد يده إلى جيبه وجد قطعة معدنية صغيرة.
كانت البطاقة التي كانت على أحد الأبواب.
عليها التاريخ نفسه الذي يعود إلى سبع سنوات.
احتفظ بها.
قرار في صباح اليوم التالي
في الصباح، فتح رسالة الشراكة مرة أخرى.
لم يوافق فورًا.
هذه المرة فعل شيئًا مختلفًا: درس الأرقام، سأل عن المخاطر، ناقش الشروط، وحدد ما يستطيع تحمله وما لا يستطيع.
ثم وافق على الدخول في المشروع بنسبة محدودة.
لم يكن متأكدًا أن القرار سينجح.
وهذا تحديدًا كان التغيير.
لأول مرة لم يحتج إلى اليقين حتى يتحرك.
بعد عامين
المشروع لم يصبح نجاحًا خياليًا. واجه مشكلات وتأخر في بعض المراحل، لكنه استمر وحقق نتائج جيدة.
الأهم أن ماجد تغير في قرارات أخرى أيضًا.
إذا أخطأ، كان يراجع السبب ثم يتحرك بدلًا من قضاء شهور في لوم نفسه. وإذا ظهرت فرصة، يدرسها ثم يختار بدلًا من تركها تختفي لأنه يريد ضمانًا كاملًا.
هل ظهر الطابق مرة أخرى؟
استخدم ماجد المصعد نفسه عشرات المرات بعد ذلك.
لم يتوقف في المكان الغريب مرة أخرى.
لكنه في إحدى الليالي، رأى موظفًا شابًا يدخل المصعد بعده بقليل.
عندما وصل ماجد إلى الطابق الأرضي، لاحظ أن الشاب لم يخرج معه.
نظر إلى الشاشة.
ظهر الخط الأفقي نفسه للحظة، ثم اختفى.
لم يقل شيئًا.
فقط ابتسم.
العبرة من القصة
المصعد الذي فتح بابه على مكان لم يره أحد من قبل قصة خيالية غامضة عن الاختيارات والخوف من الندم.
كثيرًا ما نتصور أن القرار الصحيح هو الذي لا يحمل خسارة، لكن الحياة نادرًا ما تعمل بهذه الطريقة. كل طريق يفتح أبوابًا ويغلق أخرى، وكل اختيار يحمل احتمالًا للنجاح وآخر للخطأ.
ماجد لم يتعلم كيف يعرف المستقبل، بل تعلم كيف يتوقف عن مطالبته بضمانات لا يستطيع أحد تقديمها.
فالقرار الواعي لا يعني أنك تعرف النتيجة، بل أنك درست ما تستطيع، وفهمت المخاطر، ثم قبلت مسؤولية ما تختاره.
أما ذلك الطابق الغريب، فقد ظل خارج الخرائط والسجلات. وربما لم يكن مكانًا حقيقيًا بالمعنى المعتاد أصلًا. لكن بالنسبة إلى ماجد، كان حقيقيًا بما يكفي ليجعله يتوقف عن قضاء حياته واقفًا أمام أبواب كثيرة دون أن يدخل أيًا منها.
أسئلة شائعة حول القصة
هل قصة المصعد حقيقية؟
هذه قصة خيالية غامضة مكتوبة لأغراض أدبية، ولا تُقدَّم باعتبارها حادثة حقيقية أو مكانًا موجودًا بالفعل.
ما المكان الذي وصل إليه المصعد؟
داخل عالم القصة، وصل ماجد إلى مساحة غامضة تحتوي على أبواب تمثل قرارات قديمة واحتمالات مختلفة للمستقبل.
لماذا لم يستطع العودة فورًا؟
لأن المكان كان يجبره على مواجهة خوفه من الاختيار، ولم يظهر طريق العودة إلا عندما قبل فكرة أن أي قرار قد يحمل نتيجة غير مثالية.
ما الرسالة الأساسية من القصة؟
الفكرة أن البحث عن قرار مضمون قد يمنع الإنسان من اتخاذ أي قرار، وأن دراسة الخيارات ثم تحمل مسؤولية الاختيار أكثر واقعية من انتظار مستقبل بلا مخاطرة أو ندم.
0 تعليقات