المكتبة التي تظهر فيها الكتب قبل أن يكتبها أصحابها لم تكن مشهورة، ولم يكن لها موقع إلكتروني أو لافتة كبيرة تدعو الناس إلى زيارتها. كانت تقع في شارع جانبي قديم، بين متجر لإصلاح الساعات ومقهى صغير، ويكاد المارة يتجاوزونها دون أن يلاحظوها. لكن من يدخلها مرة، غالبًا ما يخرج منها وهو يحمل سؤالًا لا يستطيع نسيانه.
دخل إليها ياسين في مساء ممطر بعدما تأخر عن موعد قطاره واضطر إلى الانتظار ساعتين. كان يحب الكتب، لكنه لم يكن يبحث عن شيء محدد. كل ما أراده مكانًا دافئًا يقضي فيه الوقت. عندما دفع الباب الخشبي، سمع جرسًا صغيرًا، ثم وجد نفسه أمام صفوف طويلة من الرفوف تمتد أبعد مما توقع من حجم المبنى الخارجي.
استقبله رجل مسن يجلس خلف مكتب مرتفع، واكتفى بأن قال: "اتفرج براحتك، بس ما تفتحش كتاب مش مكتوب عليه اسمك."
ظن ياسين أن الرجل يمزح.
كتاب يحمل اسمًا يعرفه جيدًا
بدأ يتجول بين الرفوف. كانت الكتب غريبة في عناوينها، وبعضها لا يحمل اسم دار نشر أو تاريخ طباعة. لفت نظره كتاب أسود صغير بعنوان "المدينة التي نسيت البحر". أسفل العنوان كان اسم المؤلف مكتوبًا بوضوح: فارس نجيب.
توقف ياسين.
فارس نجيب كان صديقه منذ الجامعة. يعمل مهندسًا، وياسين متأكد أنه لم ينشر كتابًا في حياته.
أخرج هاتفه وبحث عن الاسم. لم يجد أي كتاب بهذا العنوان.
عاد إلى الرجل المسن وسأله عن الكتاب.
رد الرجل بهدوء: "لسه ما اتكتبش."
ضحك ياسين وقال: "إزاي موجود هنا وهو لسه ما اتكتبش؟"
رفع الرجل عينيه وقال: "دي طبيعة المكتبة."
القاعدة التي لا يفهمها الزوار
اقترب ياسين من المكتب وهو يعتقد أن الأمر نوع من الخدع التسويقية. سأله إن كانت هذه كتبًا لمشروعات مستقبلية أو نسخًا تجريبية.
قال الرجل: "الكتب هنا بتظهر قبل أصحابها ما يكتبوها. ساعات بساعات، وساعات بسنين."
وأضاف أن بعض الكتب يختفي بعد فترة، وبعضها يبقى حتى يكتبه صاحبه فعلًا، وبعضها يظل موجودًا رغم أن صاحبه لا يكتب كلمة واحدة منه طوال حياته.
لم يصدق ياسين شيئًا من ذلك.
قال له الرجل إنه ليس مضطرًا للتصديق.
ثم أشار إلى الرفوف وأضاف: "بس افتكر القاعدة. ما تفتحش كتاب مش باسمك."
اختبار صغير
خرج ياسين من المكتبة بعد أن التقط في ذهنه عنوان كتاب فارس. في الطريق، اتصل بصديقه وسأله بشكل عابر إن كان يفكر في الكتابة.
ضحك فارس.
قال إنه لم يخبر أحدًا، لكنه بدأ منذ أسابيع تدوين فكرة لرواية عن مدينة ساحلية تفقد علاقتها بالبحر بسبب مشروع ضخم.
سأل ياسين عن العنوان.
صمت فارس لحظة، ثم قال: "ممكن أسميها المدينة التي نسيت البحر."
شعر ياسين ببرودة تسري في جسده.
لم يخبره بما رأى.
العودة إلى المكتبة
في اليوم التالي عاد ياسين إلى الشارع نفسه.
كانت المكتبة مفتوحة.
دخل مباشرة وذهب إلى المكان الذي وجد فيه كتاب فارس.
كان الكتاب لا يزال هناك.
هذه المرة قرأ أسماء المؤلفين على الرفوف ببطء. لم يعرف معظمهم، لكن بعد دقائق وجد اسمًا جعله يتجمد.
ياسين عبدالسلام.
كان الاسم مكتوبًا على غلاف كتاب أزرق داكن بعنوان: "آخر باب في المنزل".
لم يكتب ياسين كتابًا في حياته.
هل يفتح كتابه؟
تذكر تحذير الرجل. القاعدة تقول إنه يمكنه فتح الكتاب إذا كان يحمل اسمه.
مد يده ثم تراجع.
ماذا سيجد؟ هل سيقرأ كتابًا سيكتبه بعد سنوات؟ وهل إذا قرأه الآن سيظل هو مؤلفه فعلًا؟
لاحظ الرجل تردده وقال له من بعيد: "أصعب كتاب في المكتبة هو الكتاب اللي مكتوب عليه اسمك."
سأله ياسين: "لو قريته، إيه اللي يحصل؟"
قال الرجل: "على حسب إنت هتعمل إيه بعد ما تقراه."
لم تكن الإجابة مطمئنة.
الصفحة الأولى
فتح ياسين الكتاب.
كانت الصفحة الأولى تحمل كلمات بأسلوب قريب جدًا من طريقته في التعبير. لم يكن كاتبًا محترفًا، لكنه كان يعرف صوته الداخلي جيدًا.
بدأت الرواية برجل يعود إلى منزل أسرته القديم بعد وفاة والده ويجد بابًا لا يتذكر وجوده.
قرأ عشر صفحات، ثم عشرين.
نسي الوقت.
القصة كانت جيدة بصورة أربكته، لكنه شعر بشيء آخر أكثر غرابة: بعض المشاهد بدت مألوفة رغم أنه لم يعشها.
عندما وصل إلى منتصف الكتاب، أغلقه فجأة.
الخوف من معرفة النهاية
لم يكن ياسين خائفًا من الرواية نفسها، بل من فكرة أن مستقبله ربما أصبح مكتوبًا أمامه.
إذا أكمل القراءة، هل سيعرف كل ما سيكتبه يومًا؟ هل ستصبح الكتابة مجرد نسخ لما قرأه؟
سأل أمين المكتبة إن كان الكتاب سيختفي إذا رفض كتابته.
قال الرجل: "ممكن."
"ولو كتبته؟"
"ممكن يفضل."
"يعني مفيش قاعدة؟"
ابتسم الرجل وقال: "في قاعدة واحدة بس: وجود الكتاب هنا مش معناه إنك مجبور تكتبه."
كتب لم تُكتب أبدًا
أخذه الرجل إلى رف صغير في نهاية المكتبة.
كانت الكتب هناك مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار.
قال إن هذه كتبًا ظهرت منذ سنوات طويلة، لكن أصحابها لم يكتبوها.
بعضهم خاف من الفشل، وبعضهم ظل يؤجل، وبعضهم اختار طريقًا مختلفًا تمامًا.
سأل ياسين: "طب ليه الكتب لسه موجودة؟"
قال الرجل: "لأن الإمكانية ما بتختفيش لمجرد إن صاحبها تجاهلها."
أعجبته الجملة رغم أنها زادت حيرته.
كتاب مشهور قبل صدوره
واصل ياسين التجول، فوجد اسم كاتب معروف جدًا على أحد الأغلفة. العنوان لم يكن مألوفًا.
سأل الرجل عنه، فقال إن الكتاب سيصدر بعد عامين تقريبًا.
قال ياسين: "يعني ممكن آخده وأنشر اللي فيه قبله؟"
نظر إليه الرجل بحدة لأول مرة.
قال: "علشان كده ممنوع تفتح كتاب مش باسمك."
فهم ياسين أن المكتبة ليست مكانًا للتنبؤ التجاري أو سرقة الأفكار. كانت شيئًا أكثر غرابة، وربما أكثر خطورة.
اختفاء كتاب فارس
بعد أسبوع عاد ياسين مرة أخرى.
بحث عن كتاب صديقه فلم يجده.
سأل أمين المكتبة.
قال الرجل: "صاحبه قرر يسيب الفكرة."
اتصل ياسين بفارس فورًا.
أخبره فارس أنه حذف المسودة كلها في الليلة السابقة بعدما قرر أن الكتابة ليست مناسبة له.
شعر ياسين بالدهشة.
سأله إن كان متأكدًا.
قال فارس إنه قد يعود يومًا، لكنه الآن لا يريد الاستمرار.
عاد ياسين إلى الرف.
كان المكان فارغًا.
هل الكتب تتغير مع أصحابها؟
بدأ ياسين يزور المكتبة كل عدة أيام. لاحظ أن بعض العناوين تتغير، وأن كتبًا تظهر ثم تختفي.
أما كتابه فبقي في مكانه، لكنه تغير قليلًا.
في إحدى المرات وجد عدد صفحاته أقل من قبل.
وفي مرة أخرى تغير عنوان فصل كامل.
أدرك أن الكتاب لا يعرض مستقبلًا ثابتًا، بل شكلًا محتملًا يتغير مع قراراته.
هذا الاكتشاف أراحه قليلًا.
ربما لم تكن المكتبة تخبر الناس بما سيحدث، بل بما يمكن أن يحدث.
البداية الحقيقية
اشترى ياسين دفترًا عاديًا من متجر قريب.
عاد إلى منزله وبدأ يكتب.
لم يحاول استعادة الجمل التي قرأها. في الحقيقة، تعمد الابتعاد عنها.
كتب فكرة مختلفة لرجل يعود إلى بيت قديم، لكنه غير الشخصيات والأحداث.
بعد أسبوع كان قد كتب ثلاثين صفحة.
لم تكن مثالية، لكنه شعر للمرة الأولى أنه يفعل شيئًا كان يؤجله دون أن يعرف أنه يريده.
الكتاب الذي بدأ يختفي
عندما عاد إلى المكتبة، وجد غلاف كتابه أفتح لونًا.
في الزيارة التالية أصبحت بعض صفحاته فارغة.
سأل الرجل عن السبب.
قال: "لأنك بطلت تمشي في الطريق اللي كان هيعمل الكتاب ده."
قال ياسين: "يعني اللي بكتبه دلوقتي أحسن ولا أسوأ؟"
أجابه الرجل: "المكتبة ما بتحكمش."
ثم أضاف: "هي بس بتوريك طريق كان ممكن تمشي فيه."
الكتاب الجديد
بعد عدة أشهر، أنهى ياسين مسودته الأولى.
لم يخبر أحدًا بأمر المكتبة، لكنه أرسل النص إلى محرر يعرفه وطلب رأيه.
كانت الملاحظات كثيرة، واضطر إلى إعادة كتابة أجزاء كاملة.
في تلك الفترة عاد إلى المكتبة، فلم يجد كتاب "آخر باب في المنزل".
بدلًا منه كان هناك كتاب آخر يحمل اسمه.
العنوان هذه المرة كان مختلفًا تمامًا.
مد يده نحوه، ثم توقف.
ابتسم وأعاده إلى مكانه دون أن يفتحه.
لماذا رفض القراءة هذه المرة؟
لم يعد ياسين يريد معرفة الشكل الذي يمكن أن يصبح عليه كتابه في المستقبل.
فهم أن جزءًا من متعة الكتابة يأتي من عدم معرفة الصفحة التالية حتى يكتبها.
لو قرأ كل شيء مسبقًا، سيظل يسأل نفسه هل اختياراته نابعة منه أم من الكتاب الذي رآه.
قرر أن يحتفظ بالغموض.
أخبر أمين المكتبة أنه لن يفتح كتابًا يحمل اسمه مرة أخرى.
رد الرجل: "يبقى فهمت المكتبة."
سر أمين المكتبة
قبل أن يغادر، سأله ياسين سؤالًا ظل يفكر فيه منذ الزيارة الأولى: "إنت عرفت المكان ده إزاي؟"
أشار الرجل إلى رف خلف مكتبه.
كان هناك كتاب قديم يحمل اسمه.
قال إنه وجده عندما كان شابًا، وقرأه كاملًا.
ثم قضى سنوات يحاول أن يعيش حياته بالطريقة نفسها التي قرأها في الكتاب، خوفًا من أن يغير شيئًا.
في النهاية اكتشف أنه عاش أسير مستقبل لم يكن ملزمًا به.
منذ ذلك الوقت بقي في المكتبة ليحذر الآخرين من الخطأ نفسه.
ماذا حدث للمكتبة بعد ذلك؟
بعد نحو عام، نشر ياسين روايته الأولى. لم تحقق نجاحًا ضخمًا، لكنها حصلت على قراء أحبوا قصتها، وكان ذلك كافيًا ليجعله يبدأ كتابة عمل جديد.
قرر زيارة المكتبة ليخبر الرجل.
وصل إلى الشارع الجانبي، لكنه لم يجدها.
كان بين متجر الساعات والمقهى جدار قديم فقط.
سأل صاحب المقهى عن المكتبة.
نظر إليه باستغراب وقال إنه يعمل هنا منذ عشرين عامًا ولم تكن هناك مكتبة في هذا المكان.
لم يجادل ياسين.
عاد إلى منزله وفتح النسخة الأولى من روايته.
داخلها وجد بطاقة صغيرة لم يضعها بنفسه.
كانت فارغة، باستثناء جملة واحدة:
"أفضل الكتب هي التي لا يعرف أصحابها نهايتها قبل أن يبدأوا."
العبرة من القصة
المكتبة التي تظهر فيها الكتب قبل أن يكتبها أصحابها قصة خيالية عن الإمكانات والاختيارات والخوف من المستقبل. كثيرًا ما يتخيل الإنسان أنه يحتاج إلى معرفة النتيجة قبل أن يبدأ، لكنه لو عرف كل شيء مسبقًا ربما فقد الشجاعة والتجربة والمفاجأة.
وجود كتاب باسم ياسين لم يكن ضمانًا بأنه سيصبح كاتبًا، كما أن اختفاء كتاب فارس لم يكن حكمًا بأنه لن يكتب يومًا. كانت الكتب تمثل طرقًا ممكنة، بينما بقي القرار في يد أصحابها.
تعلم ياسين أن المستقبل لا يجب أن يكون مخططًا بالكامل حتى يستحق السعي إليه. أحيانًا تكون الخطوة الأولى أهم من معرفة النهاية، والمحاولة أفضل من انتظار تأكيد لا يأتي.
ومنذ ذلك اليوم، كلما جلس أمام صفحة فارغة، لم يعد يتمنى رؤية الكتاب كاملًا على أحد الرفوف الغامضة. كان يكتفي بسؤال أبسط: ما الجملة التي أستطيع كتابتها الآن؟ ثم يبدأ.
أسئلة شائعة حول القصة
هل قصة المكتبة حقيقية؟
هذه قصة خيالية غامضة مكتوبة لأغراض أدبية، ولا تُقدَّم باعتبارها واقعة حقيقية أو مكانًا موجودًا بالفعل.
كيف كانت الكتب تظهر قبل أن يكتبها أصحابها؟
داخل عالم القصة، كانت المكتبة تعرض كتبًا تمثل احتمالات مستقبلية لما يمكن أن يكتبه أصحاب الأسماء الموجودة على الأغلفة.
لماذا كان ممنوعًا فتح كتاب يحمل اسم شخص آخر؟
لأن معرفة أفكار ومستقبل عمل شخص آخر قد تؤثر في اختياراته أو تسمح بسرقة ما لم يكتبه بعد، لذلك كانت القاعدة تحمي أصحاب الكتب.
ما الرسالة الأساسية من القصة؟
الفكرة أن الإنسان لا يحتاج إلى معرفة نهاية الطريق قبل أن يبدأ، وأن الإمكانات لا تتحول إلى واقع إلا بالاختيار والعمل والمحاولة.
0 تعليقات